8‏/3‏/2010

بترول العرب ليس للعرب

منذ اكتشاف البترول في صحارى العرب، يعيش المواطن العربي تحت وطأة الثروة البترولية وهو مصاب برهابها، واستطاع البترول تغيير الحياة في أنماطها بعد أن فعل فعله تجاه الاقتصادات.



رفعت شعارات بترولية عديدة خاصة في فترة المدّ القومي، ومن أشهر تلك الشعارات (بترول العرب للعرب)، فظلّ مجرد شعار مخصص للهتافات وحسب، وعاشت الاقتصادات في الدول النفطية فورة كبيرة، وارتفعت معدلات النمو وبقيت تلك الاقتصادات ريعية، ولم تظهر مشاريع تنموية استفادت من عائدات البترول الذي سينضب آجلاً أم عاجلاً، وضيعت الدول النفطية فرصاً كثيرة كان البترول حاملها الموضوعي، لكن ثمة أشياء كثيرة جعلت السؤال الأبرز والدائم هو: أين تذهب عائدات البترول؟


شكل البترول العربي ثورة اقتصادية حقيقية أنتجت تقسيمات جديدة مغايرة للسائد، إذ صار هناك دول نفطية ـ غنية، ودول غير نفطية فقيرة تعاني الأمرّين وتنظر بحسد إلى شقيقاتها النفطيات منتظرة مساعدتها مباشرة أو من خلال الاستثمارات، وتصل الفوائض البترولية السنوية 180,1 تريليون دولار مستثمرة في الخارج، بينما إجمالي الاستثمارات العربية البينية 50 مليار دولار تعادل 5% من الاستثمارات العربية في الخارج، ويشكل احتياطي البترول العربي ثلثي الاحتياطي العالمي ولدى السعودية ربع الاحتياطي العالمي، وفي العام الماضي كانت دول الخليج العربي وشمال أفريقيا تنتج 25 مليون برميل يومياً وأسعار البترول محلِّقة. هذه الثروة الهائلة كيف ينظر إليها الشارع العربي؟






العيّنة


طرحت مجلة (الاقتصاد والنقل) في استبيانها الشهري موضوع: البترول العربي وإشكالية عائداته وطرق صرفها، ووزعت 400 استمارة على عينة عشوائية منتظمة في الفترة ما بين 15 إلى 20 تموز مستخدمة أسلوب المقابلة المباشرة، واستغلت (الاقتصاد والنقل) فرصة وجود عدد من المواطنين العرب في سورية وشملتهم بالعينة وبلغت نسبتهم 20% مقابل 80% من السوريين.


وشملت العينة المهن التالية: 10% أساتذة جامعات، و25% باحثين اقتصاديين، 20% قطاع الأعمال، 40% المهن التالية: (أطباء، مهندسون، محامون، صحفيون، طلبة)، 5% مهن أخرى متعددة، وتوزّعت شهاداتهم العلمية على النحو التالي: 25% دكتوراه، 30% دبلوم وماجستير، 40% شهادات جامعية، 5% معاهد متوسطة وما دون. وبلغ متوسط عمر أفراد العينة 56 عاماً.


تغيير النمط


السؤال الأول: هل تشعر أنك استفدت شخصياً من البترول العربي وعائداته؟


أجاب 90% من أفراد العينة بلا، وقد يكون السبب في ذلك أن الحالة المعيشية للمواطن لم تتحسن بشكل ملموس بعد اكتشاف البترول عربياً، ورأى 10% من أفراد العينة أنهم استفادوا شخصياً من البترول العربي وعائداته، ومردّ ذلك ربما شمول العينة على بعض المواطنين الخليجيين الذين استطاع زيت الصحارى تغيير نمط حياتهم كلياً.






مع وقف الاستخدام


السؤال الثاني: في رأيك كيف تُصرف عائدات البترول؟


أفاد 50 %من المستطلعين بأن جزءاً منها يذهب لحسابات خاصة وربما يعود السبب إلى سيطرة الحكام العرب المُحكمة على البترول وربط كل ما يتعلق بالبترول بهم شخصياً.


ورأى 20% من أفراد العينة أن عائدات البترول تصرف لتغطية العجوزات في الموازنات الحكومية إذ إن اقتصادات الدول النفطية العربية تعتمد على البترول بشكل أساسي ولم تعط المشاريع التنموية الاهتمام الكافي.


وأكّد 15% من المستطلعين أن عائدات البترول تصرف من أجل التسلّح، إذ ما زالت الدول العربية تنفق أموالاً طائلة على التسلّح، وثمة سباق محموم بين الأجهزة العسكرية لشراء المعدات العسكرية الحديثة رغم أن السلاح العربي لا يستخدم. تقول فاطمة المرنيسي في كتابها: (الخوف من الحداثة، الإسلام والديمقراطية): (اشترت الدول العربية 40% من الأسلحة المبيعة في العالم خلال الثمانينيات، مبذّرة هكذا بهذه الخردة الثروات التي كان بإمكانها تأمين التوظيف الكامل. وفي العام الماضي اشترت السعودية أربع طائرات أواكس بمبلغ قدّر بـ ملياري دولار.


وقال 10% من أفراد العينة إن عائدات البترول تصرف لتأسيس مشاريع تنموية وربما يعود سبب انخفاض هذه النسبة لعدم وجود مشاريع تنموية حقيقية أساساً

7‏/3‏/2010

الموارد الطبيعية لعنة الذهب الأسود

لقد نبّهت صدمة البترول الأولى في منتصف السبعينات العالم إلى أهمية البترول و بدأت الشركات الوطنية في الدول الغنية بالبترول تسترد من الشركات الأجنبية سيطرتها على بترولها (ومن باب إذا بعد عنك العنقود قل حامض ياعنب) تسابق بعض كتاب المناسبات في الدول المحرومة من نعمة البترول بإلصاق النعوت السيئة بالبترول وانطلقت موضة جديدة اسمها موضة إطلاق اللعنات ومن ثم راح بعض الكتاب يتفنن في إضافة الإكسسوارات إلى المصطلح الجديد واختيار العناوين الرنانة لمؤلفاتهم.







آخر صرخات موضة التأليف ضد البترول كتاب الدكتور محمود أمين الجمل (استاذ الاقتصاد الإسلامي في جامعة الرز Rice University بهيوستن تكساس). عنوان الكتاب الذي سيصدر في 31 ديسمبر 2009 هو: The Global Curse of Black Gold وفقا لمقال الدكتور الجمل في مجلة: Foreign Policy العدد (SEPT.- OCT. 2009) أن السبب الذي أدّى إلى انهيار النظام المالي العالمي ليس هو مديونية امريكا وسياستها التجارية والاقتصادية وانما السبب هو دولارات البترول التي هبطت فجأة "Unanticipated petrodollar flows" على دول الخليج (بالذات المملكة والكويت) وبدلا من انفاقها في توسعة طاقة إنتاج البترول لتلبية الطلب العالمي انفقوها على سباق التسلح (يدّعي 9 % من الناتج القومي في المملكة) وعلى مظاهر البذخ كالمساكن المجانية وضمان الدخول وإعانات الكهرباء والبنزين “free housing, guaranteed incomes, and subsidized.…” ولعدم قدرتهم على امتصاص الفوائض المالية حدث تدفق عكسي لدولارات البترول “petrodollar recycling” ومن ثم انتقلت لعنة البترول من الدول البترولية إلى العالم “The resource curse has gone global”.






فكرة الكتاب سطحية فهي على حد تفكير الدكتور الجمل (وفقا للمقال) تزعم أن أزمة (أو انهيار) النظام المالي العالمي سببها "ان لعنة البترول التي كان ضررها محصورا منذ منتصف السبعينات في الدول الغنية بثروة البترول انتقلت اللعنة الآن للإضرار بالجميع “Now, it is hurting everyone”.






الكتاب الثالث يختلف عن الكتابين السابقين بأن مؤلفه ليس أكاديمياً في الاقتصاد ولكنه صحفي استغل عموده النصف اسبوعي في جريدة النيويورك تايمز للاستهجان بالعرب ورغم ذلك اعتادت بعض الصحف العربية (منها جريدة الشرق الأوسط) أن تترجم وتعيد نشر عموده، اسم الصحفي توماس فريدمان وعنوان الكتاب هو: ساخنة, مسطحة, ومزدحمةHot, Flat, and Crowded الكتاب يقول لقد انتهى زمن الحرب الباردة وبدأ زمن "الطاقة-المناخ"“Energy-Climate Era ويدعو الى التحول من البترول (الذي يسبب سخونة ألأرض وتحويل الثروة الى أباطرة البترول“transfer of wealth to petrodictators”) الى مصادر الطاقة النظيفة (الثورة الخضراء).






توماس فريدمان يصوّر العلاقة بين الحرية Freedom وأسعار البترول علاقة سببية دايناميكية (أي عبر الزمن) سالبة (عكسية) فعندما تنخفض اسعار البترول تزداد الديمقراطية ويقل الفساد وينتعش الاقتصاد وعندما ترتفع أسعار البترول تنخفض الديمقراطية ويزداد الفساد وينكمش الاقتصاد ويسمي هذه العلاقة السببية السالبة: “The First Law of Petropolitics”.

التحوط لمواجهة الانحدارات

من الممكن اليوم تداول عقود النفط الآجلة حول العالم وعلى مدار الساعة، من دبي إلى نيويورك ولندن. ويمكن مقارنة السهولة التي يمكن بها شراء برميل من النفط بسهولة التبضع في المحال التجارية المجاورة. إذ هناك العديد من الوسائل للاستفادة من التطورات الحاصلة في أسواق النفط، وإحدى تلك الوسائل هي أخذ توجه من توجهين: الطويل الأمد أو القصير الأمد.







وأخذ الطريق الطويل يعني أن الشخص يتكهن بارتفاع الأسعار. أما في الطريق القصير فالمسألة تعتمد على الرهان بأن الأسعار ستنخفض وأنه سيكون بالإمكان شراء العقد بسعر أقل في المستقبل. وليس هناك من مسألة أصعب من التكهن بأسعار الأسهم والسلع المتأثرة بالعديد من التطورات الأساسية الحاصلة في العالم مثل ثورة في فنزويلا أو إضراب في نيجيريا أو توتر متصاعد في الشرق الأوسط، وهذه كلها مسائل ذات تأثير هائل على أسعار النفط.






فخلال الأسبوع الماضي، انخفضت أسعار النفط بنسبة %3 بعدما بدأت اتحادات العمال في نيجريا إضراباتها احتجاجاً على ارتفاع أسعار البترول المحلي. وأثر هذا على عمليات إنتاج النفط في نيجيريا التي تعد واحدة من أكبر الدول المصدرة للنفط إلى الولايات المتحدة الأمريكية.






ويأخذنا هذا إلى الاستنتتاج بأنه ليس من المحبذ الدخول في أسواق العقود الآجلة إلا في حال كانت محفظتك عميقة الأغوار بحيث تتمكن من تحمل بعض الخسائر. فمن الجيد، على سبيل المثال، التحوط بموقع طويل الأمد في نفط عمان الخام وآخر قصير الأمد في نفط برنت أو نفط غرب تكساس الوسيط لأن الصلة بين هؤلاء ليست دائماً مضمونة بنسبة %100. كما أنه بالنظر إلى السيولة الموجودة في العقود، فإنه ليس من المضمون أن موقعك سيكون محمي بالكامل.






وبما أنه هناك العديد من العقود المسجلة في البورصة الآجلة، يمكن تبني استراتيجية أخرى تتمثل بأجندة ممدة. يمكن على سبيل المثال الدخول في عقد طويل في نفط غرب تكساس الوسيط لشهر أغسطس وعقد قصير لشهر سبتمبر.






وحالياً يتم تداول الأول عند سعر 69.2 دولار في حين يتم تداول الآخر عند سعر 69.9 دولار، مما يعني أن التمديد هنا يصل حتى 0.7 دولار. ومن اللافت أن تمديد أغسطس - سبتمبر كان يجري تداوله عند 0.4 دولار في مارس بينما ارتفع إلى 1.1 دولار في مايو. وكما نرى هنا، فإن التمديد لا يعني أن موقعك ثابت ولن ينقلب عيك.





الذهب الأسود يرتقي إلى القمة

النفط الملقب ب " الذهب الاسود " السائل يرجع تاريخه باعتباره طاقة استراتيجية مهمة دافعة لعجلة تاريخ البشرية الى ما يزيد على 100 عام . وانه يؤثر كقوة دافعة للتنمية المستدامة لشتى الدول فى المرحلة الحالية يؤثر فى مجالات السياسة والاقتصاد و الشئون العسكرية والصناعة والمواصلات ومستلزمات المعيشة اليومية وغيرها . وتتصارع الدول الرئيسية المزودة بالنفط والدول الكبيرة المستهلكة له والرساميل المصرفية فى اسواق النفط الاجلة سوية مع التيارات السياسية المتعددة فى المناطق المنتجة للنقط الرئيسية على حق الكلام فى تسعير النفط .







الاوبيك تلعب دورا رياديا فى سياق تصدير النفط


سبق للدول المنتجة للنفط التى قوامها الدول الشرط اوسطية ان اتحدت بنشاط فى ستينات القرن الماضى فانشأت منظمة الدول المصدرة للنفط / الاوبيك / سعيا وراء كسب مزيد من حق الكلام فى سياق تسعير النفط . وتوسع عدد اعضاء المنظمة الى 12 دولة وهدفها العام هو ضمان الحصول على عوائد النفط المستقرة لكافة الدول الاعضاء فى اية حالة من الاحوال . وتنعقد الجمعية العامة للمنظمة وهى هيئة عليا للسلطة تنعقد مرتين كل عام وتضطلع بمهام رسم سياسات ومبادئ المنظمة وتقرر ما اذا كانت تقبل دولا جديدة كاعضاء لها وتنظر فى وتوافق على تعيين مدراء لها وتنتخب رئيسا لمجلس الادارة لها والذى يتكون من المدراء الذين قامت الدول الاعضاء بتزكيتهما ووافقت الجمعية العامة عليهم و مدة ولاية المجلس فى دورته الواحدة سنتان وهو مسئول عن ادارة شئون المنظمة الروتينية وتنفيذ قرارات الجمعية العامة وصياغة تقرير الميزانية السنوية واحالته الى الجمعية العامة للنظر فيه واجازته . ولمنظمة الاوبيك اثار خطيرة على تحديد اسعار النفط عبر سيطرتها على حجم انتاج نفطها .


وقد استمرت اسعار النفط فى التصاعد فى كل العالم فى اعقاب قرار الاوبيك بعدم زيادة انتاجها من النفط .


عندما انتهى الصراع وعاد السلام، بدأ سعر البرميل بالهبوط عن قمته مجدداً ليعود ويلامس القعر بوصوله إلى تسعيرة 55 دولار في مطلع العام الجاري. ولكن منذ 29 مايو، عادت أسعار نفط غرب تكساس الوسيط إلى الارتفاع مجدداً لتصل هذه المرة إلى 70 دولار للبرميل الواحد.







وكما ذكرت في مقالي السابق، فإن بورصة دبي للطاقة أخذت المبادرة بفتح أبواب التداول بالنفط في الأول من يونيو. وعلى الرغم من اختلاف مميزات كل من نفط عمان الخام ونفط غرب تكساس الوسيط ونفط برنت الأوروبي الخام، فإن أسعار الأنواع الثلاثة مرتبطة ببعضها إلى حد ما، حيث أن القواعد الأساسية نفسها تطبق في تداول تلك السلع.






وبكلام آخر، فإن التوتر السياسي الحاصل على صعيد العالم إلى جانب الإعصارات والإضرابات التي تحدث في الدول المنتجة للنفط ستفرض الكثير من الضغوطات على أسعار النفط بمجملها.

من يسيطر علة البترول

النفط الملقب ب " الذهب الاسود " السائل يرجع تاريخه باعتباره طاقة استراتيجية مهمة دافعة لعجلة تاريخ البشرية الى ما يزيد على 100 عام . وانه يؤثر كقوة دافعة للتنمية المستدامة لشتى الدول فى المرحلة الحالية يؤثر فى مجالات السياسة والاقتصاد و الشئون العسكرية والصناعة والمواصلات ومستلزمات المعيشة اليومية وغيرها . وتتصارع الدول الرئيسية المزودة بالنفط والدول الكبيرة المستهلكة له والرساميل المصرفية فى اسواق النفط الاجلة سوية مع التيارات السياسية المتعددة فى المناطق المنتجة للنقط الرئيسية على حق الكلام فى تسعير النفط .







الاوبيك تلعب دورا رياديا فى سياق تصدير النفط

سبق للدول المنتجة للنفط التى قوامها الدول الشرط اوسطية ان اتحدت بنشاط فى ستينات القرن الماضى فانشأت منظمة الدول المصدرة للنفط / الاوبيك / سعيا وراء كسب مزيد من حق الكلام فى سياق تسعير النفط . وتوسع عدد اعضاء المنظمة الى 12 دولة وهدفها العام هو ضمان الحصول على عوائد النفط المستقرة لكافة الدول الاعضاء فى اية حالة من الاحوال . وتنعقد الجمعية العامة للمنظمة وهى هيئة عليا للسلطة تنعقد مرتين كل عام وتضطلع بمهام رسم سياسات ومبادئ المنظمة وتقرر ما اذا كانت تقبل دولا جديدة كاعضاء لها وتنظر فى وتوافق على تعيين مدراء لها وتنتخب رئيسا لمجلس الادارة لها والذى يتكون من المدراء الذين قامت الدول الاعضاء بتزكيتهما ووافقت الجمعية العامة عليهم و مدة ولاية المجلس فى دورته الواحدة سنتان وهو مسئول عن ادارة شئون المنظمة الروتينية وتنفيذ قرارات الجمعية العامة وصياغة تقرير الميزانية السنوية واحالته الى الجمعية العامة للنظر فيه واجازته . ولمنظمة الاوبيك اثار خطيرة على تحديد اسعار النفط عبر سيطرتها على حجم انتاج نفطها .


وقد استمرت اسعار النفط فى التصاعد فى كل العالم فى اعقاب قرار الاوبيك بعدم زيادة انتاجها من النفط .

the oil

أشاهد الواقع الاجتماعي والاقتصادي لمعظم الدول المنتجة للنفط ،حيث ما نراه لا يعبر عن رخاء اقتصادي منظور، فإلى جانب أن عدداً كبيراً من سكان هذه الدول يعاني الفقر والجهل وعدم الحصول على الخدمات الضرورية، فقد ساهمت مدا خيل النفط في تفشي الفساد المالي والاقتتال من أجل السيطرة على هذه المداخيل أو مصادرها، إضافة إلى الاكتفاء بالاعتماد شبه الكلي على تلك العائدات،بدلاً من الاستثمار، كما يعرف عن الدول المنتجة للنفط، هاجسها الأمني المفرط ويتجلى ذلك بالمبالغ الضخمة المخصصة للنفقات العسكرية في ميزانيات تلك الدول والتي تأتي على حساب قطاعات حيوية أخرى كالتعليم والتنمية.



إنّ تدفق النفط بشكل سخي في الدّول النفطية قد مكّن عددا من هذه الأقطار من تجميع فوائض كبيرة تستثمرها في الدول الأكثر تقدما..ورغم الإستهلاك الترفي في هذه الأقطار فإنّها تحقّق معدلا مرتفعا للإدخار وفائضا في ميزان المدفوعات. فهل أدّى ذلك إلى أن تصبح هذه الأقطار أقل تبعية من غيرها؟ وهل استفادت من علاقاتها النفطية مع الدول المستهلكة للنفط في مجال التعجيل بعملية التنمية والحصول على التكنولوجيا المتطورة لأغراض التصنيع؟ وهل توصلت عملية التنمية العربية في ظل تدفق النفط أن تأخذ أبعادها التاريخية فأرتفــــع تبعا لذلك - النفط العربي - إلى مستوى التحديات الإنمائية الأساسية التي تجابه الوطن العربي..؟ أم أنّ سوء توزيع الدخل القومي بين الأفراد والجماعات أثمر الرفاه والتحديث للقلة الموسرة والصفوة المميزة، بينما كان نصيب الجماهير الواسعة، البؤس وفتات الموائد وغدت بالتالي وحدها تتحمّل عبء الإنتاج والتنمية..؟


لقد ارتبط التاريخ الإقتصادي والسياسي للمنطقة العربية أساسا بالنفط، إذ كان للنفط أكبر الأثر في تشكيل معالم الخريطة الإقتصادية والسياسية للمنطقة العربية وربط مشكلات التنمية العربية ربطا وثيقا بالتطورات الإقتصادية العلمية، وقد ظلّ قطاع النفط منفصلا عن مجرى عملية التنمية في الأقطار العربية النفطية حتى منتصف الخمسينات حيث كانت عمليات الإستكشاف والإنتاج النفطي تجرى وفقا لأهداف ومخططات الشركات النفطية الكبرى وقد نجحت - هذه الأخيرة - في الحصول على إمتيازات عدة مقابل التنقيب على النفط في الأراضي العربية..فهل تغيرت اليوم طرائق الإستثمارات النفطية بما يخدم مصالح هذه الأمة ويصحّح مسارها التاريخي؟ ..وهل نجحت عملية التنمية العربية بفضل عائدات النفط في الإرتقاء إلى مستوى التحديات التي يمليها العصر؟ .. إنّ عددا من الأقطار النفطية قد نجح في تجميع فوائض كثيرة تستثمر في الدول المتقدمة، غير أنها لا تعتمد إعتمادا كليا على المعرفة الفنية للدول الصناعية وحسب، بل أنها علاوة على ذلك تجد الأمان بالنسبة لإستثماراتها لدى الشركات الدولية النشاط أو بإستثمار أموالها في أسواق رأس المال لدى الدول المتقدمة، وكلما دعت الحاجة أن تستثمر هذه الأقطار النفطية في دول العالم الثالث فإنّ ذلك لا يتم في معظم الحالات إلا عبر وساطة المؤسسات المالية الدولية إيمانا منها أنّ مثل هذه المشاركة تؤمّن لها استثماراتها بما لا تستطيع هذه الأقطار أن تحققه بذاتها..إنّ عددا من هذه الأقطار هو من الصغر بما قد يصعب عليها بناء صناعة متوازنة داخل حدودها القطرية أو الإعتماد أساسا على السوق الداخلي للطلب على صناعاتها، إلا أنّ اسهام هذه الشركات الدولية النشاط في تنمية البلاد يجعلها تتخذ دور التابع للرأسمالية الدولية..


إن النفط الملقب ب " الذهب الأسود " السائل طاقة إستراتيجية مهمة دافعة لعجلة تاريخ البشرية ومؤثر كقوة دافعة للتنمية المستدامة لشتى الدول في المرحلة الحالية لتأثيره في مجالات السياسة والاقتصاد و الشئون العسكرية والصناعة والمواصلات ومستلزمات المعيشة اليومية وغيرها ، وباعتباره يمثل عصب الحياة في كوكبنا هذا في العصر الحديث، فإنه سيبقى عامل تهديد مباشر لمستقبل العالم في ظل استمرار الصراع من أجله ولصالح السيطرة على مخزوناته.






إن العرب المنتجين للنفط لابد أن يفكروا ملياً في مستقبل النفط ،وفي تأثيره على معطيات التوازن الجيوستراتيجي في العالم ، مما يؤهلها لأن تلعب دوراً أكثر أهمية على الساحة الدولية بدلاً من هذا الدور القاصر التابع ، ولنأخذ أنمذجة إيران وفنزويلا وروسيا والجماهيرية العظمى في عين الاعتبار، لأننا كعرب أحوج من غيرنا لأي ورقة رابحة لها وزنها لنضعها في ميزان التفاوض مع الولايات المتحدة الأمريكية في أي نزاع أو صفقة ،على قاعدة التكافؤ لا التبعية والاستكانة لمنطق الغرب وهو أن البترول مجرد سلعة تجارية لا يجوز استخدامها في غير موضعها وخاصة للأغراض السياسية

اغلتحكم باْسعار الذهب الاسود يمهد الطريق للهيمنة

لقد شكل النفط في الماضي علامة فارقه في مستقبل العالم وسيشكل له في المستقبل علامة فارقه كذلك، فمنذ بداية التاريخ الحديث للنفط عام 1853، باكتشاف عملية تقطير النفط ،والحصول منه على الكيروسين ،وانتشار هذه الاكتشافات سريعا في العالم،أصبح النفط مسألة قومية خاصة مع مطلع القرن العشرين، و بداية استخدام محركات الاحتراق الداخلية وزيادة طلب الصناعة بصفة عامه عليه .







ويشكل النفط الآن ، كما في الماضي قلقاً شديداً لاقتصاديات الدول المستهلكة والمنتجة له، في ظل الارتفاع والانخفاض غير العادي في أسعاره ، فهو حيناً يصل إلى حدود قياسية مسجلاً أرقاماً فلكية ارتفاعاً،ثم ينخفض حتى يجعل القائمين على موسوعة جنس للأرقام القياسية يشدوا شعورهم هلعاً من السرعة المطردة في تذبذب أسعاره المفزع ، مما يدعو للتفكير في أسباب ذلك والقوى الخفية التي تتحك بسعره ،ولصالح من؟!.


إنَ التحكم بأسعار الذهب الأسود يمهد الطريق أمام الدول المهيمنة على إنتاجه بأن تشكل قوة عظمى جديدة تعطي الحياة لسياسة الاحتواء بثوب جديد وروح جديدة لم يعهدها العالم من قبل،لأن انتهاء الحرب الباردة و انهيار الاتحاد السوفيتي،كان من المفترض ان ينهي هذه النزعة في الولايات المتحدة الأمريكية والغرب، و تتوقف معها سياساتها السابقة على أساس تفردها على الساحة الدولية و اعتبارها القوة العظمى الوحيدة في العالم.


لكن وقد شعرت الولايات المتحدة بخطورة المرحلة الجديدة فقد قررت إتباع سياسة جديدة من التضييق الاقتصادي أساسه الهيمنة على موجودات العالم من النفط والسيطرة على تدفقه وانسيابه في الأسواق للتحكم فيه ،خاصة وهي تسيطر مباشره على أراضي أحدى أكبر الدول المنتجة للنفط ، وتتواجد على مقربة شديدة من ثلثي نفط العالم بالاستخراج والتصنيع والتسويق ، في سياسة لي الذراع الاقتصادي للتحكم في العالم حيث أن سلوك الهيمنة والاستعمار الأميركي يحدد وفق مسار النفط وتاريخه بدءاً بالقارة الأميركية ومروراً بالخليج،وكانت أزمة الخليج واحتلال العراق أكبر الأدلة في هذا السياق، حيث تحتاج الولايات المتحدة الأميركية للسيطرة على حركة السوق النفطية في توزيع الكميات وتحديد الأسعار، وهي سيطرة لا تأتي بدون احتلال فعلي لمنابع النفط ، إلى جانب الصراع العربي- الصهيوني، وما يمثله من عامل ضاغط إضافي على الدول العربية المنتجة للنفط،وغير المنتجة أيضاً ،وتهديدها بهذه القاعدة العسكرية المتقدمة للولايات المتحدة الأمريكية في هذا الجزء من العالم، مترافقاً مع مشكلة العالم في طبيعة الرأسمالية المتوحشة التي تقود الولايات المتحدة والعالم إلى كارثة.